الشيخ علي المشكيني
59
الأصول (مشتمل على تحرير المعالم واصطلاحات الأصول)
الأمر والفور والتراخي أصل : ذهب جماعة إلى أنّ الأمر المطلق يقتضي الفور والتعجيل فلو أخّر المكلّف عصى ، وذهب السيّد « 1 » إلى كونه مشتركاً لفظياً بين الفور والتراخي . وقال آخرون : بأنّه لا يدلّ على الفور ولا على التراخي ، بل على مطلق الفعل ، وأيّهما حصل كان مجزياً ، وهذا هو الأقوى : لنا : نظير ما تقدم في التكرار من أنّ مدلول الأمر طلب حقيقة الفعل ، والفور والتراخي خارجان عنها ؛ لأنّهما من صفات الفعل ، فلا دلالة للأمر عليهما . حجّة القول بالفور أنّ السيّد إذا قال لعبده اسقني ، فأخّر العبد السقي من غير عذر عدّ عاصياً . وأجيب : بأنّ ذلك يفهم بالقرينة ؛ لقضاء العادة بأنّ طلب السقي إنّما يكون عند الحاجة ، ومحلّ النزاع ما تكون الصيغة فيه مجرّدة عن القرينة . « 2 »
--> ( 1 ) . الذريعة إلى أصول الشريعة ، ج 1 ، ص 131 . ( 2 ) . وقد يستشهد على الفور بقوله تعالى : « ما مَنَعَكَ ألاّ تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ » ( الأعراف ( 7 ) : 12 ) ؛ فإنّه لو لم يكن الأمر للفور لكان لإبليس أن يقول : سوف أسجد . وجوابه : أنّ ذلك الآمر كان فوريّاً ؛ لوجود التوقيت فيه ، قال تعالى : « فَإذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فيهِ مِنْ رُوحى فَقَعُوا لَهُ ساجِدينَ » ، ( الحجر ( 15 ) : 29 ) فهذا خارج عن محلّ النزاع . وقد يستشهد أيضاً على الفور بقوله تعالى : « وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ » ، ( آل عمران ( 3 ) : 133 ) ، وقوله تعالى : « فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ » ، ( البقرة ( 2 ) : 148 ) ؛ فإنّ اللَّه أوجب المسارعة والاستباق إلى المغفرة والخيرات ، والمراد بهما كلّ ما أمر به الشارع ، فإذا وجب ذلك أفاد كون كلّ أمر للفور ، فهذه قرينة خارجية على الفورية في الأوامر . والجواب : أنّ أمر « سارعوا » و « استبقوا » ليسا للوجوب ؛ إذ يلزم أن يكون كلّ واجب أو مندوب في الشرع مضيّقاً فورياً وهو باطل ، فالمراد بالأمرين : الإرشاد إلى حسن المسارعة إلى سبب المغفرة واستباق الخيرات وكونهما ممّا فيه مصلحة ، لا أنّ المراد إيجاب الأمرين مولوياً ( ش ) .